مجموعة مؤلفين ( اعداد : التسخيري )

44

رجالات التقريب

للعلم أولياء ، ولا للمدنية أحباء » « 1 » . فالمقلدون لأدبيات الغرب ، لا يمكن أن يفيدوا أمتهم بثمرات العلوم الغربية ، لأنهم قد غفلوا عن ارتباط تلك العلوم والفنون بملابسات نشأتها وخصوصيات حضارتها ، وتميزات مواريث مجتمعاتها . . وكذلك الحال مع المقلدين لنصوص أسلافنا ، الذين وقفوا عند ظواهر تلك النصوص ، غافلين عن المقاصد والمصالح التي جاءت لتتغياها هذه النصوص . . ذلك هو الأصل الفكري الأول من الأصول العشرة لفكرية مدرسة الإحياء والتجديد ، التي كان الشيخ شلتوت من أعلام علمائها . 2 - وثاني هذه الأصول هو التجديد : ذلك أن رفض الجمود والتقليد ، إذا كان شاملًا لقطبي الغلو في هذا الجمود والتقليد غلو التغريب - بالتقليد للآخر الحضاري . . وغلو الجمود ، بالتقليد للسلف - إنما يضع العقل المسلم أمام خيار وحيد وهو الخيار التجديدي ، الذي يمثل الوسط العدل المتوازن بين هذين الغلوين . . وهذا التجديد ، الذي يجمع بين سلفية العودة للمنابع والأصول الإسلامية ، وبين عصرية فقه الواقع المعيش واستشراف المستقبل ، هو في النسق الفكري الإسلامي - أكثر من مجرد « خيار » لأنه « ضرورة إسلامية » اقتضاها ويقتضيها كون الشريعة الإسلامية هي الشريعة « العالمية » والخاتمة إذ بدون التجديد ، الذي يحافظ على الثوابت الإسلامية كي لا تحدث قطيعة معرفية مع الأصول والمقاصد تُفقِدُ الجديد إسلاميته ، والذي يجدد في الفروع وفقه الواقع كي تمتد فروع الشريعة فتظل كل الفضاءات التي يصل إليها الإسلام ، وكي تقدم هذه الشريعة الحلول للقرون والأجيال التي تلت وتتلو عصر الوحي والتنزيل . . بدون هذا التجديد - الضرورة - لاتتمكن الشريعة الإسلامية من أن تكون « عالمية » حقا ولا « خاتمة » حقا ، أي أن التجديد هو السبيل لتحقيق إرادة اللّه ( سبحانه وتعالى ) أن تكون شريعة محمد ( صلى الله عليه وآله ) ورسالته هي العالمية ، والخاتمة لرسالات السماء . . وأن تظل حجة اللّه على عباده قائمة إلى أن يرث اللّه الأرض ومن عليها . ولهذه الحقيقة من حقائق الأصول الفكرية لمدرسة الإحياء والتجديد ، كانت جهود هذه المدرسة معالم على طريق تجديد دين الإسلام لتتجدد به دنيا المسلمين . وانطلاقا من الفكر النبوي ، الذي جعل التجديد سنة اللّه وقانونا من قوانين الفكر الإسلامي « يبعث اللّه لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها » - رواه أبو داود . . والذي

--> ( 1 ) - المصدر السابق : ج 3 ، ص 314 .